أبو حامد الغزالي

52

تهافت الفلاسفة

كان يبحث عن الحقيقة التي يدين بها ، ويلقى اللّه عليها ، ولا يلزم من شكه في المذهب بهذا المعنى ، أن يشك في المذهب الرسمي ، الذي يتعصب له المرء ، وقد كان مذهب أهل السنة هو مذهب الدولة التي نشأ بين أحضانها ، ومذهب المدارس التي درج في حجراتها ، ومذهب الأساتذة الذين تعهدوه بالتربية والتعليم إلى فترة بعيدة من عمره ، ولذلك فإن كتبه الكلامية كلها مصدرة بمثل هذه الديباجة « الحمد للّه الذي اجتبى من صفوة عباده عصابة الحق وأهل السنة » . وواضح أنه ما دام شاكا في الحقيقة في هذه الفترة ، فلا يصح الاعتماد على تآليفه فيها لتصوير آرائه . وأما الفترة الثالثة : التي اهتدى فيها إلى نظرية الكشف الصوفية ، فهي الفترة التي يمكن استمداد تآليفه فيها ، لتصوير المذهب الحق عنده ، لكن ليست كل مولفات هذه الفترة تصلح لذلك ، لأن الغزالي لم يتخل في هذه الفترة أيضا عن مذهبيه بالمعنيين الآخرين . ولقد كان الغزالي دقيقا كل الدقة ، حينما نبه إلى أن له كتبا خاصة ضن بها على الجمهور أودعها « خالص الحقيقة وصريح المعرفة » فهو بذلك قد ساعد الباحثين على أن يفهموه فهما صحيحا ، لا لبس فيه ولا غموض ، ومع ذلك لم أرمنهم من أعطاه من العناية ما يستحقها ، حتى يفهم فهما صححيحا . وبعد فهذه صفحة مشرقة من تاريخ العلماء الأحرار ، لعلها فيها ما يشجع الباحثين على أن يتخلصوا في بحوثهم من ربقة الجمود والهوى كليهما .